محمد جمال الدين القاسمي
282
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فمنهم من صرح بذلك وقال : إن كلامه أنفع من كلام اللّه تعالى ، وكتبه أهدى من كتب اللّه ، وهم الحسينية أصحاب الحسين بن القاسم العنانيّ . وقد حمله الإمام المطهر بن يحيى على الجنون ، وقيل : لم يصح عنه . ومنهم من يلزمه ذلك وإن لم يصرح به . فهذا الأمر الأول من المتشابه وهو التحكم بالنظر في ذات اللّه تعالى . وما يؤدي إليه . الأمر الثاني - من المتشابه الواضح تشابهه والمنع منه ، هو النظر في سر القدر السابق في الشرور مع عظيم رحمة اللّه تعالى وقدرته على ما يشاء . وقد ثبت في كتاب اللّه تعالى تحير الملائكة الكرام عليهم السلام في ذلك وسؤالهم عنه بقولهم : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ، قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 30 ] ، ثم ساق خبر آدم وتعليمه الأسماء وتفضيله في ذلك عليهم إلى قوله : أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [ البقرة : 33 ] ، وفي ذلك إشارة واضحة إلى ما سيأتي بيانه من أن مراد اللّه بالخلق هم أهل الخير ، فالخلق كلهم كالشجرة ، وأهل الخير ثمرة تلك الشجرة ، وإليه الإشارة بقوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] ، وفي حديث الخليل عليه السلام حين دعا على العصاة ، قال اللّه : كفّ عن عبادي . إن مصير عبدي مني إحدى ثلاث : إما أن يتوب فأتوب عليه ، أو يستغفرني فأغفر له ، أو أخرج من صلبه من يعبدني - رواه الطبرانيّ - . وقال الإمام الغزاليّ في كتاب العلم في ( الإحياء ) في أقسام العلوم الباطنة : ولا يبعد أن يكون ذكر بعض الحقائق مضرّا ببعض الخلق ، كما يضر نور الشمس أبصار الخفافيش وكما يضر ريح الورد بالجعل . وكيف يبعد هذا ، وقولنا : إن كل شيء بقضاء من اللّه وقدر - حق في نفسه ، وقد أضر سماعه بقوم حيث أوهم ذلك عندهم دلالة على السفه ، ونقيض الحكمة ، والرضا بالقبيح والظلم . وألحد ابن الراونديّ وطائفة من المخذولين بمثل ذلك . وكذلك سر القدر لو أفشي أوهم عند أكثر الخلق عجزا ، إذ تقصر أفهامهم عن إدراك ما يزيل هذا الوهم عنهم . وقال في شرح ( أسماء اللّه الحسنى ) في شرح الرحمن الرحيم : والآن إن خطر لك نوع من الشر لا ترى فيه خيرا ، أو إن تحصيل ذلك الخير من غير شر أولى ، فاتهم عقلك القاصر في كلا الطرفين ، فإنك مثل أم الصبيّ التي ترى الحجامة شرّا محضا ، والغبيّ الذي يرى القصاص شرّا محضا ، لأنه ينظر إلى خصوص شخص المقتول ، وأنه في حقه شر محض ، ويذهل عن الخير العام الحاصل للناس كافة ، ولا يدري أن